User Tag List

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 35
  1. #1
    الصورة الرمزية دكتور محمود
    [كبار الشخصيات]

    الحالة
    غير متصل
    [الاسم]: أ. د. محمود درويش
    آخر نشاط
    02-05-2014
    المشاركات
    2,199
    [مصر] ومكان السكن [Minya, Egypt, Egypt]
    [التخصص]: الآثار

    افتراضي تطور العلوم والفنون عبر العصور

    تطور العلوم والفنون عبر العصور
    العلوم
    على الرغم من عدم العثور على أية كتب علمية مكتوبة في العصر الفرعوني، فإن الإنجازات العلمية لإحدى أقدم المدنيات في العالم تظل لها قيمتها التي تشهد بما وصل إليه فكر قدماء المصريين. فلقد عثر على سجلات مكتوبة بنتائج تطبيقات علوم الرياضيات والفلك والطب والهندسة. وعرف قدماء المصريين الأرقام والكسور العشرية، وسجلوا المساحات مثل مساحات الدوائر والمستطيلات والمثلثات. كما سجلوا المكاييل والأحجام وغير ذلك من القياسات المختلفة.
    وكان الفلك بالغ الأهمية بالنسبة للمصريين الذين رصدوا السماء دوريا؛ من أجل تأسيس نظام مصري للتقويم. واهتم قدماء المصريين بالدورة السنوية للمواسم لتحديد أوقات الزراعة والحصاد (للمحاصيل المختلفة). وبالنسبة لبعض الأفراد المعينين، كانت للوقت أهمية خاصة. ومن هؤلاء الفلكيون والكهنة الذين كانوا مسئولين عن تحديد الوقت المضبوط لأداء الشعائر اليومية، وحلول الأعياد الدينية الهامة. ومكنت المزولة، التي اخترعها قدماء المصريين، الفلكيين والكهنة من رصد مرور الإثنتي عشرة ساعة للنهار، ولكنها لم تكن تصلح لرصد مثيلاتها من ساعات الليل. وكان أمنمحات هو صاحب أول ساعة مائية، مما مكن قدماء المصريين من قياس ساعات اليوم: ليلا أو نهارا، صيفا وشتاء. وبهذه الساعة المائية اثنا عشر عمودا منحوتا، بإحدى عشر ثقبا وهميا تقابل ساعات الليل الاثنتي عشرة. وكان الماء ينساب من ثقب صغير عند القاع وبارز إلى الخارج. ولمعرفة الوقت، كان على الراصد النظر داخل الإناء لملاحظة منسوب الماء ويقرأ الساعة لأقرب ثقب وهمي.
    وخلال العصر البطلمي، انتقلت القيادة الفكرية من أثينا إلى الإسكندرية، وبذا أصبحت مصر رائدة الحركة الثقافية والعلمية في العالم لأكثر من سبعة قرون. وتمخضت مكتبة الإسكندرية القديمة – بمتحفها – عن ديناميكية فكرية جديدة. وأرسى جمع كافة مصادر المعرفة معا، وتنظيمها لأغراض الدراسة الثقافية، الأساس للمفهوم الحديث لمؤسسة بحثية وبالتالي للجامعة. وازدهرت العلوم والفنون في داخل ذلك المرفأ التعليمي. وضمت المكتبة نحو سبعمائة ألف كتاب في مختلف مجالات المعرفة. ومن أجل ذلك، فإن الباحثين والعلماء قدِموا إلى المكتبة وأودعوا بها أعمالهم. وحرص البطالمة على دعم جميع العلماء المشاهير وتمويل أبحاثهم التي اختاروا مجالاتها، دون قيد أو شرط. كما عرضوا على العلماء ميزات خاصة تغريهم بالبقاء في الإسكندرية.
    وقد أدت الخلافات والمعارك (الفكرية) بين المؤلفين والعلماء في تلك الفترة، إلى نشأة مدارس الإسكندرية العلمية في مجالات الأدب والفلسفة والرياضيات والهندسة والفلك والفيزياء والجغرافيا. ولذلك، فإن الدراية بتلك العلوم كانت ضرورية لكل مثقف يريد أن يسير في درب المعرفة.
    وأدى ذلك المناخ العلمي إلى بروز عدد كبير من العلماء المصريين في مختلف المجالات. ومن أهمهم الجغرافي بطليموس الذي عاش في القرن الثاني الميلادي وهو الذي جمع المعرفة الجغرافية والرياضية، من أجل إعداد أول خريطة للعالم بالأبعاد الصحيحة لكل منطقة. وهذه مهدت الطريق للجغرافيا الحديثة. كما جمع فلوطينوس، الوثني الغنوصي، فلسفة أفلاطون وغيره لكي يخرجها بمفهومه الخاص عن عالم الفكر التجريدي.

    إقرأ أيضاً:


  2. #2
    الصورة الرمزية دكتور محمود
    [كبار الشخصيات]

    الحالة
    غير متصل
    [الاسم]: أ. د. محمود درويش
    آخر نشاط
    02-05-2014
    المشاركات
    2,199
    [مصر] ومكان السكن [Minya, Egypt, Egypt]
    [التخصص]: الآثار

    افتراضي تطور العلوم والفنون عبر العصور 2

    تطور العلوم والفنون عبر العصور
    علم الآثار
    يعد علماء الآثار المعاصرون خبراء في دراسة الشعوب القديمة، على أساس البقايا المادية التي يعثر عليها حديثا. ويقوم علماء الآثار بإعداد خرائط دقيقة متقنة وصور تفصيلية توثق كافة جوانب حفائرهم. كما أنهم يعكفون على تحليل الظروف المناخية والبيئية في حقب الماضي، على أساس عينات من التربة والبقايا (المخلفات) النباتية والحيوانية. وهم يجمعون أيضا القطع، مثل الأدوات والفخار والحلي والأثاث. كما يفحص الأثريون كذلك المعالم، مثل أساسات المنازل وحفر الخزين وأكوام الرديم والمدافن. وتساعد هذه المعالم (والقرائن) الأثريين على تكوين فكرة واضحة عن جوانب الحياة التي عاشها القدماء، بما في ذلك أنظمتهم التجارية والاقتصادية والسياسية. ويمكن الآن للأثريين تحليل الحمض الأميني المميز للصفات الوراثية، من الأنسجة الرخوة لمومياوات البشر والحيوانات من أجل مزيد من المعلومات، عن الأطعمة والأعمار والصحة.
    وللعثور على موقع أثري، فإن الأثريين يقومون بعملية استكشاف، بحثا عن دلائل (قرائن) من عوامل بيئية ضرورية للبقاء. ومن هذه العوامل المياه والحماية الجغرافية وطرق التجارة القريبة. كما تأتي الاكتشافات مصادفة، أثناء القيام بأنشطة زراعية أو إنشائية. ولقد أصبح بإمكان الأثريين مؤخرا، الاعتماد في استكشافاتهم للمواقع على تقنيات حديثة: مثل صور الرادار والأقمار الصناعية.
    ويعد الاهتمام بماضي قدماء المصريين حديثا نسبيا. فبعد انهيار الإمبراطوريات الفرعونية والإغريقية واليونانية، تعرضت المقابر والمعابد للنهب بحثا عن كنوز، واستغلال أحجارها في البناء. وبدأت الاستكشافات الأثرية الأوربية في مصر بعد الغزو الفرنسي عام 1798م، بقيادة نابليون (بونابرت). فإضافة إلى جيشه، كان هناك نحو مائتي عالم مرافق، جاءوا لإجراء عمليات مسح وحفائر في أرجاء مصر. وكانت تلك البعثات المبكرة هي التي حملت معها معظم القطع الأثرية إلى المتاحف الأوربية والأمريكية. وزاد الاهتمام بدراسة الآثار المصرية القديمة، ليتطور إلى "علوم المصريات"، خاصة بعد أن تمكن "جان فرانسوا شامبليون" من فك رموز الكتابة الهيروغليفية على حجر رشيد.
    ولعل علم المصريات قد بدأ رسميا بأعمال الأثري الفرنسي "أوجست ماريت"، الذي اكتشف مقبرة العجل أبيس في سقارة. ولقد أصبح "ماريت" مديرا لمصلحة الآثار، وكرس حياته لأعمال الحفائر وحفظ آثار مصر. وساعد "ماريت" في إقامة المتحف المصري بالقاهرة، من أجل عرض الآثار والكنوز المصرية. وواصل "شارل ماسبيرو"أعمال "ماريت"، كمدير عام لمصلحة الآثار من عام 1881 إلى عام 1914. وبحلول القرن التاسع عشر، تأسس النشاط الأثري كعلم للآثار. ولم تعد الحفائر الأثرية مجال نشاط يهدف إلى نهب المقابر وجمع القطع الأثرية، وإنما أصبح علما يهدف إلى اكتساب المعرفة العلمية عن الحضارات القديمة. وطبق علماء المصريات، أمثال "وليام فليندرز بيتري" الوسائل العلمية في إجراء الحفائر الأثرية. وكان من بين تلاميذ "بيتري" عالم المصريات الشهير "هوارد كارتر" الذي اكتشف مقبرة توت عنخ آمون يوم 26 نوفمبر من عام 1922.
    وبينما كان الأثريون الأوائل في الغالب، يهتمون بكشف المنشآت الضخمة ونقل الآثار إلى المتاحف، فإن "بيتري" أولى اهتماما خاصا بكسر الفخار (الشقاف) والأحجبة المكسورة والأدوات المنبوذة وغير ذلك من القطع (المنتجات) التي كانت تعد ضربا من النفايات والمهملات. وبذلك برهن "بيتري" على إمكانية تعلم الكثير من تلك القطع، بربطها بالمحتوى الذي وجدت فيه.

  3. #3
    الصورة الرمزية دكتور محمود
    [كبار الشخصيات]

    الحالة
    غير متصل
    [الاسم]: أ. د. محمود درويش
    آخر نشاط
    02-05-2014
    المشاركات
    2,199
    [مصر] ومكان السكن [Minya, Egypt, Egypt]
    [التخصص]: الآثار

    افتراضي تطور العلوم والفنون عبر العصور 3

    تطور العلوم والفنون عبر العصور
    الرياضيات
    طور قدماء المصريين علوم الرياضيات، بهدف توفير الحلول العملية للمشاكل الفعلية. فاستخدموا الرياضيات؛ في قياس الزمن وارتفاع مياه الفيضان السنوي لنهر النيل وحساب مساحات الأراضي وإحصاء النقود وتحديد الضرائب. وكانت علوم الرياضيات ضرورية في خدمة الأعمال الهندسية المعقدة لبناء الأهرام. واستخدم أصحاب المحال والطهاة رياضيات حسابية بسيطة؛ بينما مارس الكهنة والكاهنات رياضيات أكثر تعقيدا وكذلك فعل المشرفون على العمال والبناءون والمساحون والمهندسون وجامعو الضرائب.
    ولقد بنى قدماء المصريين نظامهم على الأساس (10)، واستخدموا علامات هيروغليفية فقط للعدد (1) وللأعداد من مضاعفات العدد (10) مثل (100)، (1000). وكانت العلامات تكرر لبيان مضاعفات تلك الأعداد؛ بما يشبه كثيرا النظام الروماني للأعداد.
    وتعد النصوص التي تسجل، أو تعلم، الخطوات الرياضية مصدرا هاما للمعلومات عن الرياضيات المصرية القديمة. وتحتوي بعض بقايا البرديات على جداول كانت تستخدم لحساب الكسور أو لتحويل الموازين والمكاييل. وتسجل بردية "رايند"، وهي لفافة بردي بطول نحو 15 قدما وكتبت حوالي عام 1660 قبل الميلاد، عشرات الأسئلة الرياضية وأجوبتها. وتحتوي هذه اللفافة معظم ما هو معروف الآن عن الرياضيات في مصر القديمة. وهي تبين بأن قدماء المصريين قد أتقنوا علم الحساب، وطوروا معادلات لحل المسائل بمجهول ومجهولين. كما أنهم عرفوا أنواعا مبسطة من المتسلسلات الحسابية والهندسية، استخدمت فيها الكسور.
    وعرف قدماء المصريين عمليات الجمع والطرح، مثلما عرفوا الضرب والقسمة باستخدام نظام مضاعفة للحصول على الأجوبة. وكانوا أيضا على دراية بالجذور التربيعية، وحساب مساحة المثلث. واستخدموا في حساب مساحة الدائرة قيمة قريبة من الثابت (ط). وعرفوا أيضا نوعا من الهندسة البدائية وربما عرفوا أسس نظرية فيثاغورث كما كان بإمكانهم رسم قوس.
    وفي العصر اليوناني - الروماني تعلم قدماء المصريين هندسة فيثاغورث وأفلاطون ويوكليد. وأدخل "الصفر" في الرياضيات خلال عصر النهضة العلمية التي شهدتها عصور خلافة وولاية حكام المسلمين.

  4. #4
    الصورة الرمزية دكتور محمود
    [كبار الشخصيات]

    الحالة
    غير متصل
    [الاسم]: أ. د. محمود درويش
    آخر نشاط
    02-05-2014
    المشاركات
    2,199
    [مصر] ومكان السكن [Minya, Egypt, Egypt]
    [التخصص]: الآثار

    افتراضي تطور العلوم والفنون عبر العصور 4

    تطور العلوم والفنون عبر العصور
    علم الفلك
    كان علم الفلك بالغ الأهمية بالنسبة لقدماء المصريين الذين قاموا برصد السماء دوريا. وقام الفلكيون بتسمية ما رأوا في السماء، واستخدموا مشاهداتهم في تأسيس التقويم المصري. وكانت بداية السنة عند قدماء المصريين تعلَن مع وصول مياه فيضان نهر النيل؛ وقد لاحظوا أن الفيضان يأتي مع ظهور نجم الشعرى اليمانية، ألمع نجوم السماء (إلى الجنوب). وقد مثل ذلك الحدث بداية السنة الزراعية في مصر. وتكونت تلك السنة من 365 يوما مقسمة إلى اثني عشر شهرا، كل منها في ثلاثين يوما. وقد جعلوا من الأيام الخمسة الباقية (أيام النسيء) أيام أعياد تضاف إلى نهاية العام. كما قسمت أشهر السنة إلى ثلاثة مواسم، هي: موسم الفيضان، وموسم الزراعة، وموسم الحصاد. وكان قدماء المصريين يسجلون تاريخ اعتلاء كل ملك عرش البلاد في وثائقهم بدءا بيوم حكمه بالسنة والموسم والشهر واليوم.
    واستخدم قدماء المصريين أجهزة أو كواشف، لرصد النجم القطبي ثم كانوا يرسمون محور خط الشمال إلى الجنوب؛ على الأرض، لتحديد اتجاه وموقع النجم. وهي خطوة كانت ضرورية لتحديد الاتجاه الصحيح لمشروعات الأبنية الهامة. وكان أحد تلك الأجهزة يسمى "مرخت"، والذي يمكن أن يعني "كاشفا أو مؤشرا". وهو يتكون من قضيب خشبي ضيق بثقب في أحد طرفيه ينظر الفلكي من خلاله، لكي يحدد موقع النجم. وهناك جهاز آخر يسمى "بيي إن إيمي أونوت"، وهو يعني ضلع (قحف) النخلة. وبالجهاز فتحة أو شق بشكل الرقم 7، قطعت في الطرف العريض وهي الفتحة التي ينظر من خلالها الكاهن المكلف بتتبع الساعات، لكي يتمكن من تحديد موقع النجم.
    وفي العصر البطلمي قام كلوديوس بطليموس، وهو عالم فلك ورياضيات وجغرافيا، بدراسة البيانات التي تركها من سبقوه؛ لرسم خريطة لمواقع نحو ألف نجم. كما قام بتحقيق قائمة لعدد 48 مجموعة نجمية (أبراج)، ووصف خطوط الطول والعرض لكوكب الأرض. وكان يؤمن بأن الأرض هي مركز الكون، وعمل على دفع هذه النظرية. وقام كذلك بتطوير النظام البطلمي؛ لشرح السبب الذي يجعل بعض الكواكب تبدو وكأنها تتحرك عكسيا، لفترات من الزمن، في مداراتها حول الأرض. وافترض أن كل كوكب له دوران في دائرة صغرى ودوران آخر في دائرة أكبر، وهو ما يسمى "فلك التدوير". ولقد سادت تلك النظرية لنحو 1400 عام، إلى أن ثبت دوران الأرض نفسها في مدار حول الشمس.
    وفي العصر البطلمي استخدم تقويم اعتمد على حسابات التقويم اليولياني، الذي اعتمد على السنة الكبيسة. وتبنى الأقباط في مصر ذلك التقويم لمتابعة الشمس وحساب الأيام ومواسم الزراعة والسنين الشمسية. وكانت للسنة القمرية أيضا أهميتها، حيث استخدمت لتحديد تاريخ عيد الفصح؛ وغيره من العطلات الدينية الهامة. كما شهد العصر البطلمي أيضا اختراع الإسطرلاب وهو أداة ملاحية طورت لدرجة الكمال في عصر خلافة وولاية حكام المسلمين. ولعب الإسطرلاب دورا هاما في إرشاد السفن سواء للأغراض التجارية أو العسكرية.

  5. #5
    الصورة الرمزية دكتور محمود
    [كبار الشخصيات]

    الحالة
    غير متصل
    [الاسم]: أ. د. محمود درويش
    آخر نشاط
    02-05-2014
    المشاركات
    2,199
    [مصر] ومكان السكن [Minya, Egypt, Egypt]
    [التخصص]: الآثار

    افتراضي تطور العلوم والفنون عبر العصور 5

    تطور العلوم والفنون عبر العصور
    الطب
    بدأ قدماء المصريين ممارسة الطب في عصر مبكر للغاية؛ حولي 4000 قبل الميلاد. وعلى سبيل المثال، فإن القرائن من تلك الفترة تشير إلى أن طلاء العين "الملاخيت أو الدهنج" كان يستخدم للوقاية من أمراض طفيلية معينة كانت تصيب العين. كما يرجع الفضل لقدماء المصريين في إنجاز لم تزل له قيمته إلى اليوم؛ فهم أصحاب أقدم مدنية تعرف الطبيب الممارس. وكان أمحوتب من أوائل الأطباء الممارسين، ومعالجا بارعا.
    وكان الأطباء وبعض الكهنة يقومون بتعليم الطب، في المعابد؛ خلال سنوات من التدريب. وكان الممارسون المصريون القدماء للطب على قدر كبير من المعرفة بالجسد البشري؛ رغم أنه لم تكن هناك في وقتهم مدارس للطب بالمفهوم العام الشائع اليوم. وقد جاءت معرفتهم في الأساس من خلال عملية التحنيط حيث كانوا يقومون باستخراج وفحص أجزاء مختلفة من الجسم بعد الوفاة. وكثيرا ما كانت توضع تلك الأعضاء الداخلية؛ فيما يعرف تحت مسمى "الأواني الكانوبية". كما كانت لديهم دراية بسوائل المخ، والموضع الصحيح للقلب، وبأن الشرايين مجوفة وأن الدم ينساب في دورة داخل الجسم. وقد قاموا أيضا بإجراء عدد من العمليات الجراحية؛ وهو ما تؤكده الشواهد في بعض الهياكل المكتشفة.
    وعرف أطباء قدماء المصريين بقوة الملاحظة، وقدروا أهمية الإصغاء بانتباه إلى مرضاهم. وبوجه عام فإن أكثر مجالات ممارسة الطب أهمية كانت تتمثل في العناية بالنساء والأطفال، ومعالجة العقم. و قد أجريت الاختبارات على النساء للكشف عن مقدرتهم على الحمل، أو لتحديد نوع الجنين. واخترع الأطباء كذلك وسائل عديدة لتيسير الوضع في الحالات المتعسرة. وكانت المعرفة بتلك الوسائل تنتقل شعبيا بالوراثة. وقد سجلت مخطوطات طبية يرجع تاريخها إلى القرن السادس عشر قبل الميلاد؛ إحدى عشر وسيلة للتوليد. وإلى جانب ذلك، فإن النزلات المعوية وآلام المعدة والسعال وآلام الأسنان وإصابات العين كانت من الأمراض الشائعة بين قدماء المصريين. واستخدم الأطباء مواد طبيعية في معظم وصفاتهم العلاجية، وكان بإمكانهم إحصاء معدل ضربات القلب مستخدمين الساعة المائية. وشهد القرن الرابع قبل الميلاد ازدهار مهنة الطب في مصر القديمة.
    وتأتي معرفتنا بالطب في مصر القديمة أساسا من برديات يرجع تاريخها إلى العصور الفرعونية، ومن بين أشهرها برديات"إدوين سميث" و"إيبرز"، وهما مكتشفيها ومفسريْها. وتحتوي تلك البرديات على بيان ببعض الحالات المرضية والخطوات الجراحية والوصفات العلاجية للأمراض والجروح وتعتمد غالبيتها على مواد طبيعية، ولكنها كانت تضم أيضا تعاويذ سحرية يرجع تاريخها إلى الأسرتين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة. وقدم قدماء المصريين أفضل النماذج للرعاية الصحية المتكاملة؛ إذ قاموا بمعالجة الفرد ككل، بدنيا وذهنيا (نفسيا) وروحيا. وكثير من الأعشاب الطبية المستخدمة اليوم كان المصريون القدماء أول من استخدمها، كما أن معرفتنا الحالية بالتشريح قد وصلت إلينا من أولئك المعالجين، من خلال خبرتهم في التحنيط.
    ومن الجدير بالذكر أن الطب في مصر القديمة، لم يكن بوجه عام منفصلا عن الطقوس السحرية والدينية. وقد سار العلاج بالعقاقير والأدوية جنبا إلى جنب، مع التعاويذ السحرية، في معالجة المرضى. وكان هناك عدد من العصي التي كان يستخدمها الكهنة، ولوحوا بها أثناء ترديدهم للتعاويذ لطرد القوى الشريرة. وإضافة إلى ذلك، فإنهم استخدموا أيضا آنية سحرية كتبت عليها عبارات مبهمة بينما غمرت فيها الأدوية التي وصفها الأطباء. وبقي الطب مرتبطا بالكهنوتية، في مصر، إلى نهاية العصر الروماني. وبلغت دراسة التشريح في مصر القديمة ذروتها في العصر البطلمي بقدوم طبيبين كبيرين إلى الإسكندرية، للوصول إلى معرفة دقيقة مفصلة عن تشريح الجسم البشري والتمكن من علاج كافة الحالات المرضية. وجاء الأطباء من جميع أنحاء العالم إلى الإسكندرية خاصة خلال تلك الفترة، للتدرب على التشريح.
    وفي عصر خلافة وولاية حكام المسلمين بمصر وصل الطب إلى مكانة رفيعة. وتقدم الطب في مجالات أخرى متنوعة مثل الملاحظة الإكلينيكية الدقيقة للمرضى، ووصف العلاقات الباثولوجية بالأمراض والطرق العلمية في التدريس؛ إضافة العناية الخاصة بالصحة العامة وتحسين الخدمات بالمستشفيات. وكان ظهور المستشفيات (المصحات) واحدا من أعظم إنجازات ذلك العصر. ولعل رسالة المستشفى كانت أروع أوجه الرعاية الصحية، وكانت رسالتها العناية بكل الذين يقصدونها؛ بغض النظر عن أوضاعهم الاجتماعية.

  6. #6
    الصورة الرمزية دكتور محمود
    [كبار الشخصيات]

    الحالة
    غير متصل
    [الاسم]: أ. د. محمود درويش
    آخر نشاط
    02-05-2014
    المشاركات
    2,199
    [مصر] ومكان السكن [Minya, Egypt, Egypt]
    [التخصص]: الآثار

    افتراضي تطور العلوم والفنون عبر العصور 6

    تطور العلوم والفنون عبر العصور
    العلوم الاجتماعية
    يهتم علم الاجتماع بالمؤسسات وأداء المجتمعات البشرية، وعلاقة الأفراد بالمجتمع بما في ذلك العوامل الاجتماعية والنفسية والاقتصادية. وأحيانا ما يندرج التاريخ وعلم دراسة أجناس البشر (الأنثروبولوجيا) تحت تصنيف العلوم الاجتماعية. ولم تبدأ دراسة الاجتماع كعلم إلا في نهاية القرن التاسع عشر، ولكن العلماء والكتاب منذ عصور قدماء المصريين كانت لهم ملاحظاتهم ورؤاهم عن الحضارات والمجتمعات ودونوا الأحداث التاريخية. وينبني فهم قدماء المصريين الأولي للمجتمع على أساس النظام والرخاء بطاعة الفرعون ومراعاة "المعت"، أو العدالة والتوازن. وتصف النصوص المصرية القديمة الأهمية الاجتماعية للقواعد والمبادئ والمعايير وارتباطها بالطبقة والمرتبة، وكانوا يعتقدون بأنه إذا تلقى الفقير ثروة فلن تكون تلك نعمة وبركة - وإنما نقمة ودليل وقوع خلل ما.
    وبداية من عصر الدولة القديمة، كانت تعاليم وإرشادات السلوك والتعامل الأخلاقي تورث من الفراعنة والأمراء والوزراء إلى أبنائهم في شكل عرف عامة تحت مسمى "أدب الحكمة". وقدمت تلك النصوص في الأساس النصيحة عن كيفية الوصول إلى المناصب العليا، والازدهار. كما أنها حفزت على الفضائل والهدوء والتواضع والاحتشام وضبط النفس. وفي عصر الانتقال (الاضمحلال) الأول، وهو عصر اضطرابات وقلاقل عصيبة، يبدو أن كتاب "تعاليم الملك ميركارع" قد كتبه حاكم كان منشغلا بنقل منهج المسلك القويم رغم تشاؤمه من طبائع الخيانة والغدر بين البشر. وفي عصر الدولة الحديثة، كان الكتبة في العادة هم الذين ينتجون أدب الحكمة موجها إلى جمهور عام عريض.
    وخدم أدب الحكمة أيضا كمرشد قانوني يذكر الفراعنة بالأسلوب الذي اتبعه أسلافهم في الحكم من واقع القضايا الشبيهة. وبينما كانت القوانين في النهاية تصدر من الفرعون، فإن السابقة القانونية كانت ذات أهمية خاصة عند قدماء المصريين. وتدل المخطوطات التي تتعلق بالحالات القضائية عبر عدة عهود، على أن سجلات المداولات (محاضر الجلسات) ربما كانت تحفظ لفترات زمنية طويلة.
    وقام الكتبة بتوثيق الأوجه العديدة لمجتمعهم لأنهم كانوا بحاجة إلى المعلومات التي تجعلهم إداريين أكفاء. واحتفظ الكتبة بسجلات قصيرة وحسابات وشهادات وقوائم جرد ووثائق قانونية وبيانات التواجد بالعمل والأجور المدفوعة. وتضم الوثائق الأخرى التي عثر عليها؛ اللوائح ووقائع جلسات المحاكم وسجلات بالعقود الخاصة والقروض والترتيبات المالية بين الأزواج والميراث والضرائب. وتعطي البرديات التي عثر عليها داخل بعض الأهرام، قائمة بالكهنة الذين يقومون بالخدمة وسجلات القرابين والحسابات وقوائم الجرد. وكطلاب، فإن الكتبة كانوا يقومون بنسخ نصوص متنوعة وكانوا يتعاملون في هذا مع مفردات أجنبية ومع أصناف متنوعة متداولة في التجارة ومع أعياد دينية إضافة إلى النصوص الأدبية، والرياضيات.
    وقدم قدماء المصريين القليل فقط من الروايات التاريخية. ويعطي حجر "باليرمو"، الذي يرجع إلى عصر الدولة القديمة بيانا بملوك الدولة القديمة وما قبل الأسرات، ومناسيب الفيضان السنوي، وتواريخ الحملات العسكرية والبعثات التجارية، وغير ذلك من الأحداث الهامة. وبدأت في الظهور حوالي الأسرة الثانية عشرة، أعمال أدبية في مديح الملوك وهي أقرب إلى الدعاية منها إلى الوصف الدقيق، وتمجد إنجازات الملك. ويقدم "قانون تيورين" الذي يرجع تاريخه إلى الدولة الحديثة، قائمة أخرى بالملوك.
    ولقد زار "هيرودوت" - الذي يعتبره البعض أول مؤرخ في العالم مصر في القرن الخامس قبل الميلاد ووصف جغرافية الأمة (توزيع السكان)، والنيل، والكثير من الآثار المصرية. كما وصف أخلاق وطباع وعادات المصريين. وفي القرن الثالث قبل الميلاد قام كاهن يدعى "مانيتو" بكتابة تاريخ مصر، بناء على السجلات القديمة؛ ولم يعثر سوى على مقتطفات قليلة من ذلك العمل.
    وكتب العالم الروماني "سترابو" عن مصر في كتابه "الجغرافيا" وفيه يصف الحكومة الرومانية والعسكرية الرومانية والتشريعات الرومانية، إلى جانب الظروف الاجتماعية تحت حكم "أوجستس": حوالي عام 22 قبل الميلاد. ووصف الكتاب المسيحيون الأوائل المعتقدات والعادات الاجتماعية المصرية وخاصة بالنسبة للديانة. ولكن ذلك كان أساسا كأداة لفضح زيفها، وليس كوسيلة لتحقيق فهم أفضل لها.
    وقام العلماء المسلمون البارزون بتغطية الكثير من المواضيع التي تتعلق بأداء المجتمع في مصر. ويصف المقدسي، من علماء القرن العاشر السكان وفئات المجتمع والأطعمة والملابس واللهجات والتجارة والعملات والأوضاع السياسية بمصر – بين غيرها من الأقطار. وفي وصف قصد به أن يكون دليلا مرشدا للتجار والرحالة والمثقفين علق على استخدام مقياس النيل في مقارنة مناسيب الفيضان بالنسبة للأعوام السابقة، وعلى الأسعار المنخفضة للسلع بالقاهرة. وفي القرن الرابع عشر رحل المؤرخ التونسي ابن خلدون عن بلده قاصدا مصر حيث قضى بها بقية عمره. وينسب إلى ابن خلدون السبق بأن كان أول عالم يخرج – على نحو منهجي بنظرية علمية عن القوى الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والدينية التي تؤثر على المجتمعات والتاريخ البشري.

  7. #7
    الصورة الرمزية دكتور محمود
    [كبار الشخصيات]

    الحالة
    غير متصل
    [الاسم]: أ. د. محمود درويش
    آخر نشاط
    02-05-2014
    المشاركات
    2,199
    [مصر] ومكان السكن [Minya, Egypt, Egypt]
    [التخصص]: الآثار

    افتراضي تطور العلوم والفنون عبر العصور 7

    تطور العلوم والفنون عبر العصور
    الهندسة
    كانت لدى قدماء المصريين المقدرة على إنجاز مشروعات هندسية متطورة مثل الأهرام الهائلة والمعابد الضخمة، باستخدام أدوات بدائية. وقاموا بتطوير طرق قطع الأحجار ونقل كتل صخرية ضخمة، ووضعها بدقة في أماكنها المقررة من البناء. ولقد بنيت الأهرام على قاعدة مستوية تماما وضبطت اتجاهاتها مع مواقع النجوم.
    وكان البناءون والمهندسون وعمال الإنشاء يستخدمون أجزاء من أجسادهم كنظام قياس للطول. وكانت وحدة القياس الأولية هي "الذراع" وهي المسافة من الكوع إلى قمة الإصبع الأوسط من الكف. ورغم اختلافات الحجم بالنسبة لأجزاء الجسد لمختلف العمال فإن ذلك النظام كان لائقا بالنسبة للمشاريع الصغيرة. ولقد استخدم الذراع الملكي، بطول 52.5سم (20.6 بوصة) كمعيار، في بناء المعابد والأهرام إذ تطلبت دقة أعظم. واستخدم المهندسون والمساحون وعمال الإنشاء أجهزة وأدوات لرصد النجوم وتوجيه الأبنية وفق الاتجاهات الأصلية الأربعة، ولرسم خطوط دقيقة وتحديد الزوايا القائمة.
    وهناك عدة نظريات تتعلق بالكيفية التي تمكن بها قدماء المصريين من تشييد الأهرام على قاعدة مستوية تماما. وحسب علماء المصريات الأوائل أن قدماء المصريين كانوا يقومون أولا بقطع شبكة من خنادق ضحلة (سطحية) في صخرة الأساس ثم غمروها بالمياه، وكانت تزال الزيادات من أسطع الجزر البارزة فوق مستوى الماء؛ لتحقيق استواء الأساس الصخري بالتمام. وأما الاعتقاد الحديث، فيقول بأن قدماء المصريين كانوا يكتفون بضمان الاستواء التام – ما أمكن - لقطاعات موزعة حول حواف قاعدة الهرم.
    وكانت كتل الحجار الضخمة تقطع من محاجر تقع قريبا نسبيا من مشاريع البناء. وكانت محاجر الحجر الجيري هي الأكثر شيوعا وانتشارا؛ قريبا من مناطق سقارة والجيزة ودهشور، وكان الجرانيت يجلب من محاجر في أسوان. وكانت كتل الأحجار تخطط بفراغات بينها تسمح للعمال بالوقوف. ولم يعثر للآن على مناشير أو معدات تثقيب، ولكن النقوش الجدارية بالمقابر تعطي بعض الدلائل عن الطرق المستخدمة في قطع وصقل جلاميد (كتل) الحجر الجيري أو الجرانيت. وفيها، يستخدم العمال مناشير من النحاس ومثاقيب ومعاول وأزاميل ومطارق للجرانيت.
    وكان من السهل على الحجر الصلد إتلاف الأدوات النحاسية، ولكن يعتقد بأن العمال كانوا يتغلبون على ذلك بوضع الرمال في الشقوق بين الحجر والأدوات مما يزيد قدرة الأدوات على القطع، نتيجة حدة بلورات الرمل.
    وبعد تقطيع الأحجار، فإنها كانت تنقل عن طريق النيل، فوق بوارج خشبية ضخمة ثم تنقل إلى المواقع فوق زلاجات خشبية يجرها مئات العمال أو الثيران. وكانت الزلاجات تجر فوق ممر أملس صقل بطبقة من طين النيل أو الرمل المبلل؛ مما جعل من اليسير تحريك الكتل الضخمة. واستخدم قدماء المصريين عدة أنواع مختلفة من المدارج (الطرق الصاعدة)، داخلية وخارجية إلى الأهرام، من أجل سحب كتل الأحجار الضخمة إلى مواضعها في البناء. وربما استخدموا في ذلك روافع خشبية أو برونزية.
    ولرفع المسلات التي يصل وزن أضخمها إلى نحو 500 طن، فإن قدماء المصريين كانوا يقيمون أولا كوما (ركاما) عاليا من الرديم أو الرمال قريبا من الموقع المختار لإقامة المسلة. ثم تسحب المسلة أفقيا إلى أعلى الركام مع مواجهة قاعدتها للأساس. وكان يقام حول الأساس محتوى حجري مربع يشبه الصندوق يملأ بالرمال. وكانت المسلة تسحب، لكي تستقر على الرمال ثم يبدأ العمال في إزالة الرمال من فتحة سفلية في قاع الصندوق الحجري. وبتفريغ الصندوق تدريجيا من الرمال، تتحرك المسلة ببطء داخله حتى تنتصب.

  8. #8
    الصورة الرمزية دكتور محمود
    [كبار الشخصيات]

    الحالة
    غير متصل
    [الاسم]: أ. د. محمود درويش
    آخر نشاط
    02-05-2014
    المشاركات
    2,199
    [مصر] ومكان السكن [Minya, Egypt, Egypt]
    [التخصص]: الآثار

    افتراضي تطور العلوم والفنون عبر العصور 8

    تطور العلوم والفنون عبر العصور
    الفنون
    ارتبطت الفنون المصرية القديمة، مثل النحت والرسم والنقش، ارتباطا وثيقا بالهندسة المعمارية. ولم يمثل أي منها فنا مستقلا، وإنما كانت تستخدم من أجل زخرفة المعابد والمقابر. وقد أثر ذلك كثيرا على ملامح تلك الفنون، وموضوعاتها وسبل استخدامها. وعندما تصور الفنان المصري القديم الدار الآخرة باعتبارها دار الخلد والمتعة الأبدية، فإن ذلك المفهوم كان مصدر الوحي والإلهام لأعماله. ولم يكن هدفه التأكيد على جمال الشكل الفني وإبرازه أمام المشاهد، إذ أن تلك الأعمال الفنية كانت تبقى في مقابر مغلقة.
    وكانت للفنان المصري القديم نظرته المتعمقة إلى الحياة، فحاول أن يصورها في أشكال رمزية تعبر عن المبادئ والقيم السائدة في المجتمع؛ مثل الآلهة والملك والإنسان والمرأة والأسرة، الخ.
    وعندما جاء الإسكندر الأكبر إلى مصر، امتزج الفن المصري بالفن الإغريقي وتبنى أساليبه في اللون والحركة. كما تأثر الفن المصري بموضوعات الأساطير الإغريقية. وقد لعب جسد الإنسان دورا كبيرا في ذلك الفن. وصورت التماثيل قسمات وجه ومعالم جسد الإنسان بتفصيل كبير معبرة عن حركة الجسد من خلال الأردية المتموجة، في محاولة جادة لمحاكاة الحقيقة. واستمر ذلك الأسلوب إلى القرن الأول الميلادي، وقد عرف بالفن الهلليني.
    وبينما اهتم الفن الهلليني بمحاكاة الحركات والألوان وملامح الطبيعة، فإن الفنان المسلم قد نأى بفنه بعيدا عن تقليد الطبيعة، إذ لم يكن ذلك هدفه أو موضوع اهتمامه. وبدلا من ذلك، ركز الفنان المسلم على الأشكال النباتية والحيوانية والهندسية، مما أعطى انطباعا بأن تصوير الشكل البشري كان محرما في الإسلام، رغم عدم وجود نص قرآني صريح بذلك.
    ويتميز إبداع الفنان المسلم بجاذبية تجتاز حدود وحواجز الزمان والمكان واللغة والثقافة والعقيدة. ومن بين ملامح ذلك الفن، هناك التجريد والتناسق ومحاولة الالتزام بالقواعد الرياضية التي تحكم الكون، هذا إلى جانب كونه عاما وعالميا وجامعا بحكم أنه ظهر خلال حقبة وجيزة غمر فيها المد العربي مساحات شاسعة وثقافات عديدة، من الهند على المحيط الأطلسي. وبهذا كان من الطبيعي أن يستوعب ذلك الفن الثقافات المتنوعة لتلك الحضارات العظيمة والتي من بينها الفرعونية والآشورية والبابلية والفينيقية والساسانية والقارطاجية واليونانية والبيزنطية.
    وقد اندمجت تلك الثقافات المتنوعة في ثراء فني وحضاري واحد يجمع الأمم التي اعتنقت الإسلام. ويمكن أن تندرج الأساليب الفنية التي سادت في بلدان المسلمين حضاريا وتاريخيا تحت الأسلوب الأموي، ثم الأسلوب العباسي الذي ارتبط بقيام الدولة العباسية عام 750م. وعندما ضعفت الخلافة العباسية، ظهرت أساليب إقليمية، مثل الأنماط الفنية الفارسية والفاطمية والمملوكية والعثمانية والهندية.

  9. #9
    الصورة الرمزية دكتور محمود
    [كبار الشخصيات]

    الحالة
    غير متصل
    [الاسم]: أ. د. محمود درويش
    آخر نشاط
    02-05-2014
    المشاركات
    2,199
    [مصر] ومكان السكن [Minya, Egypt, Egypt]
    [التخصص]: الآثار

    افتراضي تطور العلوم والفنون عبر العصور 9

    تطور العلوم والفنون عبر العصور
    فن العمارة
    قدمت مصر للإنسانية كنوزا ثمينة من مختلف الأشكال المعمارية؛ فهي بحق بين أكثر أقطار العالم إبداعا في هذا الفن، كما ونوعا. ويمكن تقسيم الأعمال المعمارية في مصر القديمة عامة إلى نوعين، وفق مادة البناء. والنوع الأول هو لمنشآت بالطوب اللبن، وهو الذي استخدم في بناء منازل المصريين؛ منذ العصر الفرعوني، وإلى الوقت الحاضر في بعض القرى. والنوع الآخر لمنشآت بنيت بالحجر.
    وبمصر ثروة كبيرة من الأحجار تشمل البازلت والحجر الجيري والمرمر المصري (الألبستر) والجرانيت وغيرها. وكانت الدولة تشرف على أعمال المحاجر لاستخراج تلك الأحجار لأنها كانت تنطوي على تنظيم بعثات تقيم قريبا من المحجر، إلى أن يكتمل العمل المطلوب. واستخدمت في تلك الأعمال أدوات عديدة منها المطارق والفؤوس والموازين والمكاييل والزوايا والمناقل وميزان البناء (الشاقول) ومثلث البناء وأدوات تسوية الحوائط. واحتفظ التصميم المعماري بأهميته منذ العصور الفرعونية، إذ كان ضروريا قبل الشروع في الأعمال الإنشائية.
    ولقد عثر على تصميمات معمارية مسجلة على بقايا قطع فخارية أو أحجار. ونتيجة لتواصل الأنشطة الإنشائية عبر العصور، فإن مصر كان بها حرفيون متخصصون أصحاب مهارة في الأعمال الإنشائية بتقنياتها المعقدة. وكانت حرف البناء تورث من جيل إلى جيل. وأمدت تلك الأجيال عبر العصور، العالم بأشكال معمارية فريدة ومتنوعة، وأهمها تلك المشروعات التي كانت تدعمها الدولة، مثل المقابر الملكية والمعابد والسدود وغيرها.
    ولقد بدأ الاهتمام بالمقابر الملكية في مرحلة مبكرة من الحضارة المصرية، خاصة وأنها كانت تتمتع بهبة العمارة المتفردة في الدولتين القديمة والوسطى، وهي تتمثل في الأهرام التي يبلغ إجمالي المكتشف منها نحو 110 هرما. وإضافة إلى المقابر، فإن أماكن العبادة قد حظيت باهتمام خاص في مصر. وقد خصصت لها الدولة أفضل المواد. ولم تزل أرض مصر تحتضن المعابد الفرعونية والبطلمية، كما تزخر بالكنائس والمساجد.
    وكانت هناك، إلى جانب العمارة الدينية والجنائزية، العمارة الحربية التي تمثلت في القلاع والأبراج، التي تبقى منها أمثلة يرجع تاريخ أقدمها إلى الدولة الوسطى في العصور الفرعونية. كما ازدهرت العمارة المدنية متعددة الأغراض في العصر اليوناني، ومن أبرزها فنار الإسكندرية، ثالث عجائب الدنيا العظمى في العالم القديم. وقد أقيم الفنار في عهد بطليموس الأول متأثرا بالتخطيط المعماري الذي كان عليه قصر الملك مرنبتاح بمدينة منف وقصري الملك رمسيس الثالث بمدينة هابو وقد كان بالموقع الذي بني به الفنار قلعة من عصر مرنبتاح، ثم أكمل الفنار في عهد بطليموس الثاني. وبلغ ارتفاعه حينئذ 150 مترا، واستخدم لإرشاد السفن ليل نهار حتى القرن الخامس عشر الميلادي. والمسرح الروماني في كوم الدكة بالإسكندرية، مثال آخر وقد اكتشفته البعثة البولندية الأثرية في أوائل الستينيات من القرن العشرين.
    وقد حظيت العمارة متعددة الأغراض باهتمام خاص في عهود خلافة حكام المسلمين، ممثلة في إقامة المساجد والمدارس والقلاع والقصور والحصون والمنازل. وازدهرت العمارة العسكرية في عهد الأيوبيين، بإقامة القلاع مثل قلعة صلاح الدين. كما حظي شكل جديد من العمارة أيضا بالاهتمام، وهو عمارة الصدقة مثل بيوت الفقراء والضيافة (التكايا) والأسبلة العامة. وازدهرت مثل هذه العمارة خلال حكم المماليك الذي شهد إقامة الكثير من المنازل والقصور وبيوت الضيافة والوكالات والمدارس والأسبلة. وليس من شك في أن القاهرة التاريخية بقيت مدينة العمارة المتألقة حتى نهاية الحكم العثماني، حيث كانت تحيطها الأسوار، ببوابات تحكم لا يبقى منها إلى اليوم سوى باب النصر وباب الفتوح وباب زويلة.

  10. #10
    الصورة الرمزية دكتور محمود
    [كبار الشخصيات]

    الحالة
    غير متصل
    [الاسم]: أ. د. محمود درويش
    آخر نشاط
    02-05-2014
    المشاركات
    2,199
    [مصر] ومكان السكن [Minya, Egypt, Egypt]
    [التخصص]: الآثار

    افتراضي تطور العلوم والفنون عبر العصور 10

    تطور العلوم والفنون عبر العصور
    التلوين والنحت
    ازدهر فن الرسم والنقش البارز والغائر بمصر القديمة، كما تشهد بذلك جدران المقابر والمعابد. وقد تعامل الفنان مع الجدران باعتبارها أسطح رسم ونقش، وحاول استثمار كافة المساحات المتاحة. ولم يكن الرسم عمل فنان منفرد، لأن أعمال الرسم والنقش في مصر القديمة كانت تنفذ على ثلاث مراحل، وبإسهام عدة فئات من الفنانين ولكل من هؤلاء مجال خبرته وتخصصه. وفي المرحلة الأولى كانت ترسم الخطوط الرئيسية الأولية التي تعطي ملامح الشكل. ويبدأ التلوين في المرحلة الثانية بداية بالمساحات الأعرض، والتقدم نحو تلوين تفاصيل الرسم. ثم تأتي بعد ذلك المرحلة الأخيرة، وفيها ترسم الخطوط الدقيقة التي تعطي التفاصيل.
    ويمكن القول بأنه لم تكن هناك ثمة فروق مميزة بين الرسم والتصوير والنقش. حتى وإن قسمنا النقوش إلى صنفين، نحت وحفر، فإن أيا من الطريقتين لا بد وأن تسبقها خطوة الرسم، لعمل التصميم الأصلي وتحديد الخطوط الأولية. واستخدمت المعاجين الملونة في التلوين لملئ الفراغات في الرسم. وكثيرا ما كان الفنان المصري القديم يستخدم مواد تثبيت للون من أجل أن يطيل عمر الألوان. ولأن الفن كان مرتبطا بالعمارة الدينية، فلقد اهتم الفنان بتصوير الأرباب وتعظيمهم من خلال تقديم الأنواع المختلفة من القرابين، وتسجيل الصلوات والأناشيد. كما صور في نفس الوقت الأوجه المختلفة من الحياة اليومية والتي قد يستمتع بها المتوفى في مقبرته ويحملها معه إلى الدار الآخرة. ولم تكن تلك المشاهد تمثل وقائع محددة أو مراحل خاصة ذات دلالة أو أهمية، وإنما كانت مشاهد تمثل أنشطة مختلفة كالزراعة والصيد والرعي واللعب والشجار.
    وفي تصويره للأشخاص، طبق الفنان المصري القديم قانون النسب الذي بقي مستخدما حتى زمن الأسرة السادسة والعشرين. وبموجب ذلك القانون قسم الفنان السطح إلى مربعات متساوية رسم عليها الخطوط العامة للجسم البشري. وبناء على نسب معينة بين أجزاء الجسم، قام بملء المربعات إلى أن يكتمل العمل. وتبين أن تصوير المنظر الجانبي، كان منهجا نموذجيا لتمثيل جميع أجزاء الجسم، وإن لم يشكل التصوير الجانبي قاعدة ثابتة. وكثيرا ما تطلب إظهار التفاصيل تصوير الشكل من أمام. وكان الفنان أحيانا يجمع بين الطريقتين مثلا برسم الرأس جانبيا، والكتفين من أمام والجزء السفلي جانبيا.
    واستمر الربط بين تلك الفنون والدين حتى العصر اليوناني - الروماني. وكانت النقوش الدينية والمواضيع الأسطورية على التوابيت، من أهم معالم الفن الهلليني. وكان من أهم الإضافات التي شاع استخدامها في ذلك العصر، تصوير الوجه البشري على نحو يماثل فن التصوير النصفي (البورتريه) الحالي. كما شاعت كذلك أقنعة المومياوات والأقنعة الجنائزية التي تحمل صورة وجه المتوفى. وهذه كانت توضع مباشرة على وجه المتوفى حاملة ملامح وقسمات الوجه الفعلية، لكي يتسنى لروح المتوفى التعرف على جسده. وكثيرا ما كانت التوابيت تصنع في هيئة الشخص المتوفى نفسه.
    وفي القرن الثالث الميلادي، كانت تعلق أيقونة للشخص بمنزله حتى وفاته ثم تثبت على تابوته. واختفت تلك الأيقونات بعد القرن الرابع الميلادي ولكنها عادت للظهور ثانية في القرن السادس. ويمكن إرجاع تاريخ ظهور فن تصوير الوجه أو البورتريه إلى القرن الثاني الميلادي، وقد بدأ في مقابر المسيحيين الأوائل. ولم يكن الأشخاص المصورون في البداية، مرتبطين مباشرة بالديانة الجديدة، ولكن قصص الإنجيل والمواضيع الرمزية ظهرت تدريجيا، إلى أن بدأ رسم السيدة العذراء والسيد المسيح مباشرة وبوضوح.
    ويمكن تقسيم الصور الشخصية (البورتريه) إلى ثلاثة أنواع، وفق الطريقة المتبعة في التصوير. الأولى هي طريقة التمبرا التي عرفت منذ العهود الفرعونية، واستخدمت فيها مواد لاصقة مثل الغراء وبياض البيض لإعطاء اللون سمكا بسيطا. والثانية هي الأيقونة التي رسمت بطريقة "الأنكوستك" التي ظهرت في مصر خلال العصر الروماني، وانتشرت منتجاتها البطلمية بالإسكندرية والفيوم والشيخ عبادة. وكانت تتأسس على خلط الألوان بالشمع مع إضافة قليل من الزيت أحيانا مما أعطى الرسم مظهرا لامعا يحاكي اللوحات الزيتية. وبقيت تلك الطريقة مستخدمة حتى القرن الحادي عشر الميلادي. وأما الثالثة فهي طريقة الفريسك (التصوير الجصي) والتي استخدمت فيها ألوان الماء. وهذه طريقة بسيطة، تنبني على خلط الألوان مباشرة بالماء وحده دون وسيط آخر. وتستخدم الألوان على الجدار المبلل قبل جفافه، فيجف الاثنان سويا. وظهرت هذه الطريقة في العصر المسيحي، وإن لم تعمر طويلا. ولم تظهر طريقة التصوير في لوحات زيتية وهي أرخص وأسهل حتى العصر البيزنطي.

  11. #11
    الصورة الرمزية دكتور محمود
    [كبار الشخصيات]

    الحالة
    غير متصل
    [الاسم]: أ. د. محمود درويش
    آخر نشاط
    02-05-2014
    المشاركات
    2,199
    [مصر] ومكان السكن [Minya, Egypt, Egypt]
    [التخصص]: الآثار

    افتراضي تطور العلوم والفنون عبر العصور 10

    تطور العلوم والفنون عبر العصور
    فن النحت
    كانت التماثيل بين أهم العلامات المميزة للفن المصري القديم، وكانت للتمثال مهمة أساسية في المقبرة عبر العصور الفرعونية؛ وهي تمكين الروح من التعرف على ملامح الشخص المتوفى، فلا تخطئه في الدار الآخرة. وازدهر فن النحت في الدولة القديمة والوسطي والحديثة، وأثمر عددا من التماثيل بأنواع مختلفة. واستخدم المصريون حجم التمثال للتعبير عن الوضع الاجتماعي. فحجم تمثال الفرعون كان يفوق الحجم الطبيعي، ويزن أحيانا عدة أطنان.
    وكانت تماثيل الكتبة وموظفي البلاط بالحجم الطبيعي تقريبا. وأما تماثيل الخدم والعمال فكانت، رغم دقتها العالية، أصغر حجما؛ ولا يزيد ارتفاعها في العادة على 50 سنتيمترا. وقد أظهرت تلك التماثيل الخادم في أوضاع العمل المختلفة. وهذا إضافة إلى تماثيل الأوشابتي بالغة الصغر التي لا يزيد ارتفاعها على بضعة سنتيمترات. وهذه يستدعيها صاحبها، في الدار الآخرة ، لكي تؤدي عنه العمل الصعب الذي لابد وأن يقوم به. وكان هناك 365 من هذه التماثيل الصغيرة (الأوشابتى) أي بعدد أيام السنة.
    والمسلات من المعالم الرئيسية المميزة للنحت المصري، وقد اعتمدت في صناعتها على تقنيات معمارية عالية؛ إذ كانت المسلة تنحت من كتلة صخرية واحدة. وكانت المسلات من أبرز معالم العمارة القديمة، وتقام عادة على جانبي مداخل المعابد. وكان للأعمدة وضع خاص في العصرين الفرعوني واليوناني. ويتكون العمود، سواء كان رباعي الشكل أو مستديرا، من ثلاثة أجزاء: قاعدة، وبدن، وتاج. واتخذت التيجان أشكالا شبيهة بالزهور وأوراق النبات؛ مثل النخيل ونبات اللوتس. ومن الأشكال الشائعة أيضا، شكل السلة المجدولة؛ بأشكال حليات نباتية وعناقيد عنب في داخلها.
    وفي العصر البطلمي اكتشف الملوك والأباطرة أنواعا كثيرة من الرخام في جبال البحر الأحمر، واستخدموها بكثافة في التماثيل والإنشاءات.
    وأصبحت الحركة وثنايا الملابس واضحة في أساليب النحت، وعثر على تماثيل كثيرة للملوك والأرباب. وظهر نوع خاص من التماثيل في ذلك العصر عرف بالتيراكوتا أو الطين المحروق، وهي تماثيل صغيرة مصنوعة من الفخار يتراوح ارتفاعها بين 20 و50 سنتيمترا. وقد عثر على تماثيل كبيرة تصور الحيوانات مثل القط والقرد والثور والأسد والكلب، إلى جانب الأشكال الآدمية.
    وركزت الحضارة القبطية فقط على نوعين محددين من النحت. الأول هو شاهد القبر، وهو لوح من الحجر الجيري يكون الجزء العلوي منه غالبا مثلث الشكل وبه رسوم. ويحمل شاهد القبر صورة لشخصية المتوفى وبيانا بتاريخ الوفاة. والنوع الثاني من النحت هو الإفريز، وهو عنصر زخرفي منحوت؛ يعلو الحوائط أو يزين أسفلها ويستخدم في زخرفة أبنية الكنائس والأديرة. وتحمل الأفاريز عادة حليات بأشكال حيوانات وفي حالات خاصة، بأشكال آدمية. وأضيف شكل الصليب في منتصف الإفريز منذ القرن السادس الميلادي.
    ولم يكن للنحت سوى دور ضئيل جدا في عهود المسلمين حيث يرفض الإسلام جميع مظاهر الوثنية. ولذلك، عثر فقط على تماثيل قليلة لكنها لم تكن منحوتة، وإنما كانت تصب في قالب. وكانت تلك التماثيل الصغيرة، في معظمها، لحيوانات مثل الأرنب والغزال.

  12. #12
    الصورة الرمزية دكتور محمود
    [كبار الشخصيات]

    الحالة
    غير متصل
    [الاسم]: أ. د. محمود درويش
    آخر نشاط
    02-05-2014
    المشاركات
    2,199
    [مصر] ومكان السكن [Minya, Egypt, Egypt]
    [التخصص]: الآثار

    افتراضي تطور العلوم والفنون عبر العصور 11

    تطور العلوم والفنون عبر العصور
    الحرف
    ضمت المعابد والجبانات والقصور الملكية، في العصور الفرعونية، ورشا عمل بها حرفيون متخصصون في صناعة الأثاث والحلي والزجاج والمعادن وغيرها من المنتجات. وتزخر المقابر بمشاهد وأشكال حية تصور مجموعات مختلفة من الحرفيين، مثل النجارين والنساجين، في ورشهم. وتمتلئ متاحف العالم بمختلف المنتجات من إبداع أولئك الحرفيين الأفذاذ.
    ولقد أتى الحرفيون المصريون، على امتداد أربعة آلاف عام، بمختلف الأنواع من الفنون الصغيرة التي تباينت في الأسلوب وفي المذاق الفني وعرفت في جميع أنحاء العالم. ولقد برزت مهارة المصريين القدماء في فنون الحفر في جميع أنواع المعادن؛ بأشكال زخرفيه، وتطعيمها بحليات من الأحجار شبه الكريمة ومن الزجاج الملون. كما برعوا في الأعمال الخشبية مبدعين أنواعا مختلفة من الأثاث للقصور الملكية كانت في الغالب مطعمة بالذهب ومحلاة بالأحجار شبه الكريمة.
    وبالنسبة لعهود خلافة وولاية حكام المسلمين، فإن صناعة زجاج المشربيات وفن الأرابيسك كانت رائجة وشائعة أيضا. ولم تزل أنواع الأواني الزجاجية الشفافة المختلفة باقية إلى اليوم؛ وحتى تلك الصغيرة من بينها، قد صنعت بتفاصيل دقيقة للغاية وتحمل رسوما لمختلف الآثار. ومن الجدير بالذكر أن الأواني الزجاجية في العصور الفرعونية كانت تصنع حول قوالب جاهزة. ولم تستخدم طريقة نفخ الزجاج حتى العصر الروماني. وكان النسج فنا شائعا ازدهر خاصة في الحضارة القبطية واستمر خلال العصور التالية من خلافة وولاية حكام المسلمين حيث انتشرت صناعة القماش والسجاد الفاخر عالي الجودة.
    ولقد سمح وجود أعداد كبيرة من الحرفيين بأساليبهم الإبداعية الخلاقة، بأن تنتقل خبرتهم من جيل إلى جيل. وكان الحرفيون يقسمون إلى مجاميع، لكل منها رئيس أدار شئونها وسوى الخلافات بين أعضائها. وكانت لأحياء مصر مناطق مخصصة للحرفيين وصناع المشغولات الذهبية والنحاسية. ومن الواضح أن يكون الحرفي المصري قد تلقى تعليمه وتدريبه على يد والده في سن مبكرة. وكان الأطفال يساعدون مجموعة العمل التي يعمل بها آباؤهم لتعلم قواعد الحرفة. وكان ذلك هو الحال في مصر حتى العصر العثماني حيث خسرت مصر الكثير من حرفييها وفنانيها المهرة الذين أجبروا على الانتقال إلى اسطنبول حاضرة الإمبراطورية. وعليه، فقد شهدت مصر فترة من الركود الفني استمرت حتى بداية العصر الحديث.

  13. #13
    الصورة الرمزية دكتور محمود
    [كبار الشخصيات]

    الحالة
    غير متصل
    [الاسم]: أ. د. محمود درويش
    آخر نشاط
    02-05-2014
    المشاركات
    2,199
    [مصر] ومكان السكن [Minya, Egypt, Egypt]
    [التخصص]: الآثار

    افتراضي تطور العلوم والفنون عبر العصور 12

    تطور العلوم والفنون عبر العصور
    النجارة
    تظهر النجارة في مصر واضحة أول ما تظهر في توابيت عصر بداية الأسرات؛ وقد صنعت من ألواح متراكبة ثبتت معا عند الأركان بالربط من خلال ثقوب. ولقد عثر بالمقابر أيضا على صناديق مصنوعة من ألواح مطعمة متصلة بطريقة النقر واللسان أو بمفاصل. وأصبحت صناعة الصناديق أكثر صقلا وحنكة ولها أغطية منزلقة وأركان موصولة موثوقة من الجانبين وأربطة جلدية من خلال ثقوب ذات زوايا. وأتقن النجارون فن النجارة حينئذ دون استخدام مسامير أو غراء. وقد بدأ استخدام الغراء بعد الأسرة الخامسة.
    وبدأ استخدام عوارض الخشب في توابيت الأسرة الثالثة، التي كانت تصنع من ست قطع من خشب الأرز متصلة معا بحيث تأخذ الحبيبات اتجاهات مختلفة. وكانت الأخشاب الرخيصة تدهن بطبقة من الورنيش، سمكها نحو سبعة أعشار الملليمتر لكي تعطيها مظهرا أكثر فخامة. وأتقن المصريون فن زخرفة الأثاث بحليات مطعمة من الخشب والعاج والأحجار شبه الكريمة والزجاج ومعجون الألوان. كما كانت الأخشاب تزين بالتغشية بالذهب أو الفضة. وكان الشغل المفتوح وهو الذي ينطوي على عمل فتحات عديدة تتخذ معا شكلا زخرفيا، نوعا آخر من أساليب زخرفة الخشب.
    وكانت معظم المنازل مجهزة بالعديد من الأدراج والصناديق والخزانات للحفظ. وأنتج النجارون أيضا أنواعا مختلفة من الأسرة والمناضد والكراسي. وغالبا ما كانت تلك القطع من الأثاث تستقر على أرجل في شكل أرجل وحوافر الحيوانات. وكانت الكراسي عادة بمقاعد منخفضة ومساند مستقيمة للظهر غالبا ما تكون معقدة الشكل. وكانت مقاعد الكراسي البسيطة القابلة للطي تصنع من الجلد حتى يمكن حملها بسهولة لساحات الصيد أو القتال.
    واستخدم النجارون أدوات بسيطة للأشغال الخشب. فاستخدمت الفؤوس لقطع الأشجار وتشذيب الأغصان. واعتمد النجارون في نشر الأخشاب على سحب، وليس دفع، مناشير ذات أنصال بطول نحو ستين سنتيمترا مثبتة في أيد خشبية. وتصور المشاهد ألواح الخشب مثبتة بين أعمدة ويقوم العمال بنشرها وتشكيلها. وكان هناك نوعان من المثاقب مثقاب عبارة عن نوع من المخراز يلف باليد، بينما يدار النوع الآخر بقوس يحرك جيئة وذهابا. وكان القدوم يستخدم لتشكيل الخشب أوليا، بينما يستخدم الأزميل الذي يطرق بمطرقة حجرية لإنجاز الأعمال الأدق. وكانت تستخدم قوالب من الحجر الرملي لسنفرة وتنعيم الخشب وتشطيبه.
    وكان على قدماء المصريين الاعتماد على الخشب المستورد في صناعة صواري المراكب والتوابيت الضخمة، أو أبواب المعابد. وقد جلبت أشجار السرو والأرز الطويلة من لبنان، بينما جلبت أشجار النبق من فلسطين وأشجار الدردار من سوريا وأشجار الطقسوس من بلاد فارس. واستورد الأبنوس من الصومال، لصناعة الأثاث الأكثر صلابة للأثرياء. وكانت هناك أخشاب نافعة مستوطنة بمصر ومنها شجر السنط (الأكاسيا) الذي صنعت منه صواري المراكب الصغيرة وألواح الأرضيات. واستخدمت جذوع النخل لعوارض الأسقف. وكان من الممكن استخدام خشب أشجار الجميز في صناعة الصناديق. وكانت أخشاب شجر الطرفة توصل معا لصناعة الصناديق والتوابيت الصغيرة، واستخدم خشب شجرة الصفصاف في صناعة أيدي السكاكين وأجزاء الصناديق.
    وشهدت المشغولات الخشبية انتعاشا كبيرا في عهود خلافة وولاية المسلمين في مصر. وكانت الألواح والأبواب الخشبية تنحت في عمق أو تنحت في شكل عمل مفتوح، بأشكال نباتية أو هندسية أو خطوط فنية بأحرف عربية. واستخدمت الصناديق المنحوتة بأشكال جميلة مطعمة، لحفظ نسخ من المصحف. وكانت المناضد والكراسي وصواني الطعام تزين بالخشب المطعم لإبداع صورة أو شكل زخرفي.

  14. #14
    الصورة الرمزية دكتور محمود
    [كبار الشخصيات]

    الحالة
    غير متصل
    [الاسم]: أ. د. محمود درويش
    آخر نشاط
    02-05-2014
    المشاركات
    2,199
    [مصر] ومكان السكن [Minya, Egypt, Egypt]
    [التخصص]: الآثار

    افتراضي تطور العلوم والفنون عبر العصور 13

    تطور العلوم والفنون عبر العصور
    الحلي
    لعبت الحلي أدوارا مختلفة في مصر. فبالإضافة إلى انجذاب البشر، بالطبيعة، للأشياء الجميلة فإن الحلي كانت لها أهمية دينية وسحرية في العالم المصري القديم، بحماية مرتديها من السوء. وبدأ قدماء المصريين صناعة الحلي منذ عصري البداري ونقادة، في عهود ما قبل التاريخ من مواد بسيطة. مثل أغصان النباتات والأصداف والخرز والأحجار الصلدة أو العظام، وكانت هذه تنظم في خيوط من الكتان أو شعر البقر. ولإعطاء الأحجار بعض البريق، بدأ قدماء المصريين في طلائها بمواد زجاجية. واكتسبوا مهارة صنع الحلي من الأحجار شبه الكريمة وبعض المعادن المختلفة مثل الذهب والفضة، منذ عصر الأسرة الأولى. ووصلت صناعة المشغولات الذهبية قمتها في عصر الدولة الوسطى، عندما أتقن قدماء المصريين الطرق الفنية والدقة في صنع قطع الحلي. وازدهرت صناعة المشغولات الذهبية في عصر الدولة الحديثة، على نحو غير مسبوق بسبب البعثات التعدينية المنتظمة إلى الصحراء الشرقية وبلاد النوبة، لاستخلاص المعادن. وكانت تلك المعادن تعامل وتطعم بكافة أنواع الأحجار شبه الكريمة المعروفة في مصر مثل تطعيم الذهب والفضة بالعقيق والفيروز.
    وكانت الحلي تستخدم في الحياة اليومية، عبر العصور التاريخية؛ من الفرعونية إلى الرومانية. وكان قدماء المصريين حريصين على حفظ عدد كبير من قطع الحلي داخل المقابر، وكانت هذه توضع على جسد المتوفى. ولقد عثر على أعداد كبيرة من قطع الحلي بالمقابر، منها الأكاليل والتيجان أو أطواق تثبيت الشعر الطبيعي والمستعار وأنواع مختلفة من الحليات التجميلية مثل الوريدات الصغيرة والأطواق الذهبية وأشرطة بسيطة من الحلي. وكانت هناك كذلك أنواع مختلفة من الأحزمة؛ مثل أحزمة الخصر وأحزمة تتدلى منها شرائط رأسية. ومن أنواع الحلي أيضا الأقراط والأساور والخلاخل والخواتم والعقود.
    والصدرية نوع من الحلي التي لم تظهر أبدا في أي من الحضارات الأخرى، وكانت تلبس حول الصدر. وقد كانت تصنع عادة من الذهب أو معدن مغشي بالذهب. وحتى إذا صنعت من مادة رخيصة، فإنها كانت تطلى باللون الأصفر لتتخذ مظهر الذهب. ولم يزل ارتداء صدرية من الذهب معروفا في الريف المصري، وإن اتخذت الصدرية في هذه الحالة اسما آخر؛ هو "الكردان". وتحلم كل فتاة ريفية بارتداء كردان من الذهب، تزهو به.
    ولم يكن التجمل بالحلي مقتصرا على النساء، فالرجال في مصر كانوا يستخدمون الحلي أيضا حتى العصر الروماني. ولكن منذ مجيء المسيحية إلى البلاد، وتحول كثير من أهلها إلى الديانة الجديدة، فإن الحليات ومظاهر البذخ والترف أصبحت أقل شيوعا وحلت محلها مظاهر الورع والتقوى والتدين. فصنعت الحلي من مواد أرخص تحمل رموزا مسيحية مثل الصليب والحمائم وعلامة الحياة "عنخ" الهيروغليفية بدلا من الأحجبة والتمائم التي كانت تستخدم من قبل. وبعد مجيء الإسلام إلى مصر، حرم على الرجال خاصة التزين بالحلي الذهبية؛ واستمروا في استخدام مواد بديلة، كالفضة.
    ولقد عثر على أنواع متعددة من العصي التي كانت تستخدم كعصي مراسم أو صولجانات أو مذبات أو عصي معقوفة أو عكاكيز. وكانت تلك العصي تصنع عادة من الخشب، وأحيانا تصفح أو تغشى بالذهب وتطعم بالأحجار شبه الكريمة.

  15. #15
    الصورة الرمزية دكتور محمود
    [كبار الشخصيات]

    الحالة
    غير متصل
    [الاسم]: أ. د. محمود درويش
    آخر نشاط
    02-05-2014
    المشاركات
    2,199
    [مصر] ومكان السكن [Minya, Egypt, Egypt]
    [التخصص]: الآثار

    افتراضي تطور العلوم والفنون عبر العصور 14

    تطور العلوم والفنون عبر العصور
    المنسوجات
    استخدمت المنسوجات في مصر القديمة لأغراض عديدة من بينها الثياب والحقائب والأشرعة والحبال والشباك. وكانت المنسوجات المصرية القديمة تصنع أساسا من الكتان، وهو الذي يأتي من ألياف نبات الكتان. كما كانت تصنع من ألياف النخيل والحشائش والبذور، وبدرجة أقل من صوف الغنم وشعر الماعز. وكانت ألياف الكتان تغزل، بعد فصلها من النبات، ثم تنسج خيوط الغزل على نول؛ لتتحول إلى قماش. وفي مصر الفرعونية كانت صناعة النسج مقتصرة على النساء العاملات على أنوال في ورش توجد عادة داخل المنازل أو القصور أو الضياع الكبيرة.
    وكانت ألياف الكتان، بطبيعتها، ذات ألوان باهتة ذهبية أو بنية أو خضراء إذا قطع محصول النبات في وقت مبكر. واستخدم قدماء المصريين المغرة (أكسيد الحديد المائي المخلوط بالطين) أو الأصباغ النباتية لتلوين المنسوجات؛ على الرغم من أن سليلوز النبات كان يجعل الصبغ صعبا. وتعطي المغرة للنسج اللون الأصفر أو البني المصفر أو الأحمر. وكانت المواد النباتية المستخدمة في الصبغ تشمل الوسمة (نبات عشبي) للون الأزرق، والفوة والقرطم للون الأحمر. واستخدم التبييض أيضا، لصناعة المنسوجات البيضاء التي كانت تعتبر رمزا للمكانة الاجتماعية الرفيعة وللنظافة.
    وبدأت الدولة في العصر البطلمي، الإشراف على صناعة المنسوجات والرقابة على زراعة الكتان. وانتشرت المنسوجات المزدانة بالرسوم متعددة الألوان. وأصبحت الأقمشة المنقوشة تعرف بقماش "القباطي"، من كلمة "قبط" بمعنى قبطي أو مصري. وأقمشة القباطي معروفة بزخارفها التفصيلية المعقدة. وكانت الأقمشة في العصر الروماني تزخرف بأشكال آدمية وحيوانية وكذلك التصميمات النباتية والهندسية. وشهدت المراحل التالية زيادة استخدام الرموز المسيحية حيث أصبح التصوير لأشكال الإنسان والحيوان أكثر تجريدا. واستخدمت الأقمشة في الكنائس والأبنية العامة، كستائر وكذلك كأغطية للأسرة ومفروشات ومناشف وأغطية مناضد وأكياس وحقائب. وزاد استخدام وشيوع الصوف إذ كان سهل الصبغ بالأصباغ النباتية.
    وفي عهود خلافة وولاية المسلمين، اكتسبت الأقمشة المصرية استحسانا عالميا؛ لجودتها وجمالها. وكان ذلك نتيجة لمشاركة الدولة في الرقابة على الخامات، وبناء المصانع الخاصة والعامة، وضمان معايير الجودة. وأصبح الصوف في المرتبة الثانية أهمية بعد الكتان، كمادة خام. واستخدم النساجون أنوالا رأسية ونسجوا لُحما (خيوطا عرضية أو أفقية) أكثر في الأقمشة؛ كنوع من الزخرفة. وكانت الأقمشة تزخرف بأشكال مطبوعة أو تطرز بخيوط من حرير. وضمت النقوش، تقليديا، الخطوط العربية الزخرفية الفنية والأشكال النباتية والهندسية؛ وكذلك رموزا تجريدية نباتية وآدمية وحيوانية.

  16. #16
    الصورة الرمزية دكتور محمود
    [كبار الشخصيات]

    الحالة
    غير متصل
    [الاسم]: أ. د. محمود درويش
    آخر نشاط
    02-05-2014
    المشاركات
    2,199
    [مصر] ومكان السكن [Minya, Egypt, Egypt]
    [التخصص]: الآثار

    افتراضي تطور العلوم والفنون عبر العصور 15

    تطور العلوم والفنون عبر العصور
    صناعة الفخار
    يعد فن صناعة الفخار من الشواهد الملازمة والمميزة لحضارات أمم العالم إذ يعبر عن مدى تطورها وحضارتها. وصناعة الفخار رغم أنها أبسط أشكال الفن هي في الواقع من أصعب الحرف. وهي الأبسط لأن لها طبيعة بدائية، ولأنها شائعة بين العامة. ومع ذلك فهي الأصعب لأنها تنطوي على شكل من التجريد. وقد شاعت صناعة الفخار بمصر منذ عصور ما قبل التاريخ، وبداية تواجد المصريين في دلتا ووادي النيل. ويمكن للأثريين تأريخ التسلسل الزمني للحضارات الأكثر قدما من خلال الفخار بالنسبة إلى أساليب صناعته وزخارفه وذلك قبل شيوع الكتابة.
    وأقدم أنواع الفخار كانت تصنع يدويا، من الطين، ثم تترك لتجف تحت الشمس. وبعد اكتشاف النار، كان الفخار يحرق ليصبح أكثر صلابة ومتانة، ويعمر أطول. واخترعت عجلة الفخراني في عصر الدولة القديمة لتدار باليد اليسرى، بينما تشكل القطعة الفخارية باليد اليمنى. وفي العصور المبكرة من الحضارة المصرية، كانت قطع الفخار تزخرف نمطيا؛ بأشكال حيوانية وأشكال معقدة وحليات هندسية ونباتية وحيوانية ملونة. وبداية من الأسرة الرابعة، قل الاهتمام بالزخارف وصنع الفخار العادي للاستخدام اليومي.
    وحيث أن الفخار مسامي، فلقد مال الفنانون إلى استخدام حلية زجاجية لإنتاج ما عرف بالخزف المصري الذي كان يصنع بإضافة سليكون الرمل وطبقة زجاجية شفافة، وكان يفضل أن يطلى باللونين الأزرق والأخضر. ثم لقيت صناعة الفخار اهتماما أقل خلال عصر الدولة الحديثة، وحلت مكان الفخار أوان زجاجية مزخرفة، بقيت خلال العصرين البطلمي والروماني.
    ثم جاء العصر الفاطمي لكي تزدهر صناعة خزف القيشاني "الفيانس"، الذي كان يحمل رسوما وزخارف رائعة بأشكال البشر والطيور والحيوانات والنباتات إلى جانب الأشكال الهندسية والخطوط الكوفية الفنية المتقنة، ومشاهد الرقص والموسيقى والصيد. كما كانت تصور عليه بعض الأنشطة الاجتماعية اليومية؛ مثل التحطيب ومصارعة الديكة. وكانت تصنع في مصر الكؤوس والقدور والأواني الطينية والأطباق وغيرها من المنتجات الفخارية، ثم تطلى بألوان تتغير لدى سطوع الضوء عليها.
    ولقيت هذه الحرفة اهتماما خاصا في عهد الأيوبيين، وهكذا ولد القيشاني الأيوبي "البورسلين". ولقد اشتهر هذا النوع من القيشاني بطينته الناعمة وزخارفه الزجاجية البديعة، والأرضية الخضراء، والحليات السوداء، والرسوم الرائعة للنباتات والطيور والحيوانات. وظهرت على القيشاني في العصر المملوكي صور حيوانات راقدة على زخارف نباتية تحاكي الطبيعة مطلية باللونين الأزرق والأسود، تحت طبقة زجاجية لكي تعطي انطباعا بالفن الفارسي، وبها زخارف مثل التنين وطائر العقاب. ولقد تدهورت صناعة القيشاني المصري بعد الفتح التركي عام 1517، عندما استوردت كميات كبيرة من الخزف الصيني عن طريق آسيا الصغرى.
    صناعة الزجاج
    ظهر الزجاج، بشكل قيشاني في مصر من العصر الحجري الحديث في حضارة البداري بالقرن الخامس قبل الميلاد. وربما دخلت معرفة صناعة الزجاج من الشرق الأدنى وظهرت بمصر، أول ما ظهرت، حوالي الأسرة الثامنة عشرة (نحو 1550 – 1292 ق.م.). وكانت معظم قطع الزجاج المبكرة على شكل خرز. وكان اقتناء منتجات الزجاج في عصر الدولة الحديثة نوعا من الترف حيث صنع على شكل زهريات، كما طعمت به زخارف الأثاث والجدران.
    وكانت درجة حرارة انصهار السليكا أعلى مما عرفت الصناعات القديمة. ولكن إضافة القلويات، مثل الصودا والبوتاس يخفض درجة حرارة الانصهار. وكان الجير يضاف لتثبيت الخليط. ولصناعة الزجاج الخام، كان المصريون القدماء يطحنون المواد لتحويلها إلى مسحوق دقيق بأعلى درجة ممكنة قبل تسخينها. وكان الزجاج القديم يلون بإضافة صبغات مثل مركبات النحاس والحديد، إلى الزجاج الخام – للحصول على اللون الأزرق المخضر وأكسيدات النحاس للحصول على اللون الأحمر أو البرتقالي، ومركبات الكوبالت للحصول على اللون الأزرق المعتم.
    وكانت الطريقة الأكثر شيوعا، لصنع الزجاج في عصر الدولة الحديثة، هي بتشكيل قلب أو لب من الطين المخلوط بالروث أو المواد النباتية على هيئة الجزء الداخلي للوعاء. ثم يغمس القلب في الزجاج المنصهر أو أن يصب الزجاج المنصهر عليه. وبعدها تدحرج القطعة على سطح أملس لكي تصبح ملساء؛ ثم يزال خليط الطين بداخل القطعة بعد أن تبرد. واستخدام القوالب كان أيضا من طرق تشكيل الزجاج وفيها كان يصب الزجاج المنصهر في قالب، أو أن الزجاج المطحون كان يسخن داخل قالب. وكانت كتل الزجاج تقطع (لتشكل) على البارد، مثلما تقطع الكتل الحجرية عند تشكيلها ولكن تلك الطريقة كانت بالغة الصعوبة، فلم تكن شائعة.
    وفي العصر البطلمي انتشر الزجاج بمصر، لأغراض الاستخدام اليومي في الأطباق المسطحة والعميقة والأواني والكؤوس والمصابيح والقلادات وفي تطعيم الحلي، أو المرايا. وفي العصر الروماني، حوالي القرن الثالث الميلادي، طورت صناعة الأواني الخزفية المطلية بطبقة لامعة. وكانت إشابة (خليط معدني) النحاس والفضة تضاف إلى الأصباغ التي يطلى بها الزجاج. وكانت الأصباغ تندمج في الزجاج؛ فتعطي لونا داكنا أو باهتا حسب درجة حرارة الحرق. وبدأت آنية الزجاج المصنوعة من قوالب في الظهور بحلول العصر البيزنطي.
    وبعد فتح عمرو بن العاص لمصر، عمل العرب على تطوير صناعة الزجاج وابتكار الكثير من الأدوات والطرق التي لم تكن مستخدمة في العصور السابقة. ففي نفخ الزجاج أصبح استخدام "البونتيل"، وهو قضيب يمسك بقاع الإناء، شائعا في ذلك العصر. وكانت الكتل الخشبية من بين الأدوات الأخرى المستخدمة في نفخ الزجاج، لتشكيل الزجاج المنصهر على هيئة كرة قبل نفخه والمدوار لتشكيل فم الوعاء والمقص، لتقليم الزجاج الزائد أثناء النفخ. واستخدم في إنتاج زجاج ذلك العصر، نوعان من القوالب نوع من جزأين بمفصلة، حيث ينحت النموذج داخليا – عادة بأشكال هندسية ونباتية والآخر قالب غمس، حيث ينفخ الزجاج بداخله – ثم يستكمل نفخه خارجيا مما يجعل الشكل أقل تميزا.
    ويتميز زجاج ذلك العصر بحليات مركبة، مقرونة بآيات قرآنية وكتابات أخرى منفذة بخطوط زخرفية فنية. واستخدمت عدة طرق في زخرفة الزجاج منها الطريقة الساخنة التي نقش فيها الوعاء بينما لم يزل دافئا. وكانت تصب أذيال من الزجاج الساخن على الوعاء لزخرفته بشكل حلزوني، أو أن يدمغ الوعاء بنموذج محفور على ملقاط ساخن. وكانت أذيال الزجاج تمشط بأداة مسننة في أشكال متموجة، أو مقوسة أو في حلقات. وكان الزجاج المنفوخ يزخرف أيضا بطريقة القطع التي تشمل: الحفر المخربش، والقطع السطحي، والقطع البارز والغائر. وكان الزجاج الملون يطلى بأصباغ تحتوي على الفضة والنحاس ثم يحمى عليه في النار لصهر الألوان في الزجاج. ولطلاء الزجاج بالمينا أو الذهب، كانت توضع على سطح الوعاء سابق التشكيل مساحيق الزجاج والذهب ثم يحمى عليه في النار.

  17. #17
    الصورة الرمزية دكتور محمود
    [كبار الشخصيات]

    الحالة
    غير متصل
    [الاسم]: أ. د. محمود درويش
    آخر نشاط
    02-05-2014
    المشاركات
    2,199
    [مصر] ومكان السكن [Minya, Egypt, Egypt]
    [التخصص]: الآثار

    افتراضي تطور العلوم والفنون عبر العصور 16

    تطور العلوم والفنون عبر العصور
    صناعة المعادن
    توجد بمصر طبيعيا مجموعة متنوعة من خامات المعادن ولكن قليلا من المعادن – مثل الفضة والقصدير – كانت تستورد من الخارج. وكان معدن النحاس هو الأكثر استخداما في مصر القديمة. واستخدم الذهب في صناعة الحلي، مثلما استخدمت الفضة، منذ عصر ما قبل الأسرات. كما عرف البرونز، وهو إشابة (خليط) من معدني النحاس والقصدير منذ الأسرة الثانية، ولكن أصبح شائعا فقط في الدولة الحديثة. وعرف الحديد النيزكي أولا، ولكنه لم يكن يستخرج من المناجم أو يستغل عامة حتى العصر البطلمي. وربما كان القصدير يستورد من جزيرتي كريت وقبرص، واستخدم غالبا في إنتاج البرونز.
    وللوصول إلى درجة حرارة عالية كافية لاستخلاص المعادن من خاماتها الطبيعية، فإن قدماء المصريين بنوا مواقد خاصة كانت تحمى بالفحم. وكانت المعادن تصهر لتنقى في بوتقة فوق النار. وكان العمال في عصر الدولة القديمة، ينفخون في النار بمنافخ للوصول إلى درجة حرارة انصهار المعدن، وكان ذلك يتطلب عددا من العمال الذين يتناوبون على النفخ. وطورت منافخ الكير الكبرى في الدولة الحديثة وكانت تتكون من طبق فخاري قليل العمق مغطى بالجلد. وعندما كان المعدن يستخلص فإنه عادة ما يعد على هيئة كتل؛ ثم يرقق باستخدام مطرقة حجرية بيضاوية. ولصنع قطع من المعدن، فإن القطعة كانت تقطع بالأشكال المطلوبة، ثم تثنى وتثبت معا. وكانت الشوائب ورءوس مسامير التثبيت تحك بالحجارة إلى أن تختفي. وفي طريقة أخرى للتشكيل، كان المعدن يوضع فوق سندان مستدير حيث يثبته عامل في موضعه، بينما يقوم آخر بالطرق عليه. ولقد طورت طريقتان للصب في تشكيل المعادن في الدولة الحديثة فيما بعد. والأولى هي طريقة الشمع المفقود والأخرى هي طريقة الصب للأشكال المركبة. وكان هناك طريقة التشكيل بالطرق خاصة للأواني.
    ولقد عثر على خرزات نحاسية مستديرة غير منقوشة، وكذلك الدبابيس النحاسية البسيطة، في دفنات يرجع تاريخها إلى 4000 عام قبل الميلاد. وصنعت الأواني والأدوات والأسلحة النحاسية في عصر الدولة القديمة، كما عثر على خرزات من الذهب يرجع تاريخها لنفس الفترة. ووصلت صناعة الذهب درجة عالية من الإتقان، بحلول عصر الدولة الوسطى. ومن منتجات ذلك العصر الحلي والجعارين والأختام وكانت تعكس مستويات عالية من المهارة الحرفية، واستخدمت فيها طرق أبدعت أشكالا ورموزا استخدمت فيها أسلاك ذهبية لحمت في رقائق من الذهب المطروق – ثم بعد ذلك طعمت بالأحجار شبه الكريمة والزجاج الملون.
    ومن منتجات الدولة الوسطى أيضا المشغولات المخرمة من أسلاك الذهب والفضة وكذلك المحببة التي أبدعت أشكالا زخرفيه عن طريق لحام كريات صغيرة من الذهب على أسطح رقائق الذهب واستخدمت فيها جميعا تقنيات شاعت خلال تلك الفترة. وقد أصبح البرونز أكثر المعادن التي تصنع منها المعدات والأسلحة وأدوات الاستخدام اليومي في عصر الدولة الحديثة. فاستخدم في صناعة الحلي والفؤوس ورءوس الحراب وخطاطيف صيد الأسماك والأواني والأمواس والخناجر والمرايا. وبنهاية عصر الدولة الحديثة، بدأ صب البرونز بدلا من طرقه مما سمح بالإنتاج على نطاق عام. فلقد صبت التماثيل الصغيرة بأعداد كبيرة، وقدمت للمعابد كنذور. واحتفظ البرونز بأهميته كأكثر المعادن استخداما حتى العصر البطلمي.
    وخلال عهد خلافة وولاية حكام المسلمين؛ اعتبارا من حوالي منتصف القرن السابع إلى القرن العاشر من الميلاد، كانت صناعة المعادن متأثرة بالتقاليد البيزنطية والساسانية. ومنذ القرن الحادي عشر للميلاد، بدأت المنتجات المعدنية تطعم بزخارف معقدة من معادن مختلفة. ومن هذه المنتجات رذاذات (مرشات) العطر، والصناديق والمصابيح والشمعدانات. وجاء القرن الرابع عشر الميلادي، حيث كانت مصر تحت الحكم المملوكي بزخارف جديدة، مثل الوريدات (الورود الصغيرة) والأسماك. ولقد اشتهر عصر المماليك بالمشغولات المعنية الرائعة البارعة والتي أنتج معظمها بتكليف من السلاطين والأمراء.

  18. #18
    الصورة الرمزية دكتور محمود
    [كبار الشخصيات]

    الحالة
    غير متصل
    [الاسم]: أ. د. محمود درويش
    آخر نشاط
    02-05-2014
    المشاركات
    2,199
    [مصر] ومكان السكن [Minya, Egypt, Egypt]
    [التخصص]: الآثار

    افتراضي تطور العلوم والفنون عبر العصور 17

    تطور العلوم والفنون عبر العصور
    النسخ
    قبل اختراع الطباعة، كانت الأعمال الأدبية و الدينية الهامة تنسخ يدويا وهو عمل كان يؤديه الكتبة. وفي مصر القديمة كان الكتبة يدربون على الكتابة، من خلال نسخ مقتطفات من الأعمال المصرية الكلاسيكية (الأقدم).
    وكانت النصوص الدينية تدفن مع قدماء المصريين وقد تضمنت تلك النصوص التعاويذ والأدعية (أو الصلوات) والشعائر والإرشادات عن الحياة الآخرة. وعندما كثر عدد النصوص بحيث أضحى من الصعب تسجيلها على التوابيت، فإنها كانت تدون على أوراق البردي وتوضع داخل التوابيت. ولقد أصبحت تلك النصوص صناعة كبرى حيث تعين على الكتبة إنجاز آلاف النسخ. وكانت أماكن وضع اسم المتوفى تترك فارغة لحين شراء البردي الذي يدون الكاتب عليه الاسم.
    وكانت تقع الأخطاء، إذا لم يكن الكاتب يفهم ما يكتب أو إذا كان هناك أكثر من كاتب يعملون آنيا في نسخ مقاطع مختلفة (من نفس النص). واستمر تنفيذ النسخ على لفائف البردي في العصرين اليوناني والروماني حيث كان من الضروري نسخ الأعمال الهامة لكي تملأ مكتبة الإسكندرية، ومن أجل تزويد العلماء بالنصوص العلمية والفلسفية الهامة.
    وخلال العصر القبطي، قام المسيحيون بإعداد نسخ من الإنجيل وسير القديسين وآباء الكنيسة وغير ذلك من النصوص. ونمت صناعة إنتاج المخطوطات في الكنائس والأديرة المسيحية حيث نشأت عدة حرف ترتبط بتشكيل وزخرفة الكتب. وطور الرهبان في عدة أديرة متفرقة في شمال مصر حرفة تشكيل وتجليد المخطوطات التي كانت تتكون من أفرخ ورق ربطت معا داخل غلافين.
    وفي عصر حكم ولاة المسلمين، كان نسخ المصحف الشريف من أعمال الصلاح والتقوى وقد كان يقوم به في العادة كتبة هم أصلا من حفظة القرآن الكريم كاملا. وكان أولئك الكتبة خطاطين مدربين قادرين على إخراج نسخ يدوية عديدة جميلة متطابقة. وكان استخدام أساليب وأنواع الخط في نسخ نصوص الكتب، الدينية منها وغير الدينية، يعتبر شكلا من أشكال الفنون الجميلة. وكانت الكتب تحرر بخط اليد، بدرجة عالية من الجودة والدقة؛ وسرعان ما نشأت عن ذلك صناعة تختص بنسخ الكتب.
    وخلال فترة الحكم العباسي، كان كثير من الخطاطين يكسبون عيشهم من نسخ الكتب. وكانت الكتب تنسخ أحيانا تجاريا في قاعات نسخ ملحقة بالمكاتب العامة التي تقوم بتزويد الراغبين بنسخ من الأعمال المطلوبة. ولجأ عدد من المؤلفين إلى إصدار كتب معتمدة فقط، لحماية أعمالهم من السطو (الانتحال). وأسست مدارس لتعليم الخطوط، وتشجيع مهارات الترجمة والنسخ. واشتهرت المدارس المصرية بالتميز خلال فترة الحكم الفاطمي.
    وتأسست أجهزة حكومية خاصة تولت ترجمة أعمال "جالين" و "هيبوقراط" وغيرهم من العلماء الهلينستيين من اللغة اليونانية إلى اللغة العربية. وأصبحت اللغة العربية هي اللغة الرسمية الدولية للمعارف العلمية حيث قام العلماء بترجمة الفكر الإغريقي واللاتيني والمصري القديم والصيني وغيره - إلى العربية. ونظم علماء المسلمين تلك المعارف العلمية والفلسفية الهامة في موسوعات، أضافوا إليها رؤاهم ومكتشفاتهم.

  19. #19
    الصورة الرمزية دكتور محمود
    [كبار الشخصيات]

    الحالة
    غير متصل
    [الاسم]: أ. د. محمود درويش
    آخر نشاط
    02-05-2014
    المشاركات
    2,199
    [مصر] ومكان السكن [Minya, Egypt, Egypt]
    [التخصص]: الآثار

    افتراضي تطور العلوم والفنون عبر العصور 18

    تطور العلوم والفنون عبر العصور
    المكتبات والمخطوطات
    يعتقد، بناء على المجموعات الصغيرة من أوراق البردي التي عثر عليها بالمدافن، بأن المصريين القدماء قاموا بجمع النصوص كجزء من مقتنيات الصفوة. وتضم النقوش والمخطوطات أيضا إشارات متعددة لمجموعات من الكتب كانت تحفظ فيما يسمي "بيت الكتب". وليست هناك بقايا معمارية لأية مكتبات مصرية قديمة كبرى، وإن يكن من المرجح وجود تلك المكتبات في القصور والمعابد الرئيسية. وتضم نقوش بإحدى صالات معبد الرامسيوم وأخرى بإحدى الغرف بمعبد إدفو (سجلا مفهرسا) للكتب، ولكن بحكم حجمها وموقعها، فإنها على الأرجح كانت تستخدم في حفظ كتب الطقوس اليومية بالمعبد.
    وفي عصر البطالمة، أمر بطليموس الأول سوتر بإنشاء مكتبة الإسكندرية، وقام ديمتريوس الفاليرمي بتزويدها بالمجموعة الرئيسية للمكتبة بينما تولى بطليموس الثاني فيلادلفيوس رعاية إكمال العمل.
    وحرص الملوك الذين جاءوا بعده على زيادة مقتنيات المكتبة. فكان بطليموس الثالث يلزم جميع المسافرين القادمين بتسليم ما بحوزتهم من كتب. وإن لم تكن هذه الكتب من مقتنيات المكتبة، فإنها تحفظ بينما يتلقى صاحبها نسخا رخيصة منها. وربما ضمت المكتبة في أوج عظمتها نحو 700 ألف لفافة، أو ما يعادل نحو 100 ألف إلى 125 ألفا من الكتب المطبوعة المجلدة. وبحلول منتصف القرن الثالث قبل الميلاد، أصبح المبنى الأصلي أصغر مما يكفي، فنقلت مجموعة إلى السرابيوم، ضمت نحو 42800 نسخة ومخطوط غير مكتمل.
    وقد دمر نحو أربعين ألف كتاب في الحرائق التي شبت بها على إثر الخلاف الذي نشأ بين يوليوس قيصر وكليوباترا السابعة في عام 48 ق.م. وعلى الرغم من أن مارك أنطونيو عوض الملكة بمائتي ألف لفافة من برجاموم، فإن مكتبة الإسكندرية قد دمرت بنهاية القرن الثالث قبل الميلاد إبان الصراع على السلطة في الإمبراطورية الرومانية. وأما السرابيوم، أو"المكتبة الوليدة" ، فقد حكم عليه بأنه يدعم المعتقدات الوثنية، فدمره ثيوفيلوس أسقف الإسكندرية بناء على فرمان يحظر الديانات غير المسيحية أصدره ثيودوسيوس عام 391م.
    وكانت المكتبات المدنية، التي أنشئت في العصرين اليوناني والروماني، في متناول أهل مصر المسيحيين، وكذلك المكتبات الكنسية، التي كانت توجد عادة في الأديرة. ولعل مكتبة الدير الأبيض للقديس شنودة في سوهاج، كانت أعظم مكتبات مصر القبطية، ولكنها الآن مبعثرة. ولقد عثر على المئات من بقايا الرق وأوراق البردي في موقع دير القديس أبوللو، وربما كانت به هو الآخر مكتبة.
    وأما المسلمون، فقد كانوا من عظماء جامعي الكتب، فازدهرت المكتبات في عهودهم، حيث شجع الإسلام على التعلم وارتقاء المعرفة. وإلى جانب المكتبات التي ضمتها قصور الأمراء والنبلاء في مصر، فإن مساجد ومدارس القاهرة خاصة ضمت مكتبات، وجميعها كانت متاحة للدارسين. وكان لكل مكتبة سجل مفهرس لمجموعة كتبها، وكان بها موظفون يؤدون الأعمال التي يقوم بها أمناء المكاتب اليوم، إلى جانب الكتبة، والقائمين بأعمال تجليد الكتب وغيرهم ممن يقومون برعاية الكتب والاعتناء بها.
    وفي عام 395هـ (1004م)، أنشأ الحاكم بأمر الله الفاطمي معهدا للتعليم أسماه "دار العلم". وتبرع للمعهد بكتب في مواضيع متنوعة، مما شجع الفقهاء على التدريس به، كما قام بالإنفاق على تأثيثه وعلى العاملين به. ويقال بأن ذلك المعهد البحثي كان يضم في مكتبته ما يربو على المليون مجلد، ثم أصابها ما أصاب مكتبة الإسكندرية من دمار، نتيجة الغزو الصليبي والمغولي.

  20. #20
    الصورة الرمزية دكتور محمود
    [كبار الشخصيات]

    الحالة
    غير متصل
    [الاسم]: أ. د. محمود درويش
    آخر نشاط
    02-05-2014
    المشاركات
    2,199
    [مصر] ومكان السكن [Minya, Egypt, Egypt]
    [التخصص]: الآثار

    افتراضي تطور العلوم والفنون عبر العصور 19

    تطور العلوم والفنون عبر العصور
    الإنسانيات
    الإنسانيات هي فروع المعرفة التي تهتم بدراسة التكوينات والاهتمامات البشرية أكثر من اهتمامها بالعمليات الطبيعية والعلاقات الاجتماعية. وتضم العلوم الإنسانية "الإنسانيات" الفلسفة واللغة والأدب والفن والتاريخ. وكانت لقدماء المصريين منذ عهود مبكرة إنجازات ثقافية هائلة اجتهدوا كثيرا في تنقيحها وصقلها ونقلها عبر الأجيال المتعاقبة.
    وخلال عصر الدولة القديمة، طور قدماء المصريين الأساليب الفنية والأشكال الزخرفية التي تواصل استخدامها لآلاف السنين. كما سجل قدماء المصريين أنشطتهم اليومية ومعتقداتهم الدينية في نصوص ومشاهد ظهرت على جدران المقابر والمعابد. وكان التعليم بالغ الأهمية بالنسبة لقدماء المصريين؛ فعلموا أطفالهم القراءة والكتابة والآداب والرياضيات.
    وكان الأدب في عصر الدولة القديمة يميل إلى إتباع القالب أو الشكل المعروف باسم "أدب الحكمة" والذي اهتم بتعليم مبادئ المسلك السوي. وبحلول عصر الدولة الحديثة، كان الكتبة يكلفون بكتابة الأعمال الأدبية التي تمتدح الفرعون. وظل التلاميذ، لقرون عديدة، يتعلمون قصة "سنوحي" الذي كان من كبار المسئولين وفر من مصر بعد مقتل الفرعون. ولقد عثر على قصائد شعر وأغان يرجع تاريخها إلى عصر الدولة الحديثة. كما عثر من نفس العصر على نص يسمى "خلاف أدبي" يباهي فيه أحد العارفين بما أوتي من العلم وينتقد معرفة أحد منافسيه.
    وشهد العصر اليوناني- الروماني، وخاصة خلال الفترة المبكرة من حكم البطالمة، ازدهار الفنون والعلوم الإنسانية بمدينة الإسكندرية. وانتقل الشعراء والفلاسفة العظام إلى مكتبة الإسكندرية الكبرى، حيث كان يمكنهم الرجوع إلى عدد هائل من النصوص، ومناقشة نظرياتهم. وكان العلماء يدعون للعيش والعمل بالمتحف القريب من المكتبة. وظل تعليم الأطفال بما في ذلك البنات محتفظا بأهميته لدى الطبقات الأعلى.
    وفي العصر القبطي، وخاصة بعد فترة حكم الإمبراطور قسطنطين، أصبحت الكتابة وسيلة فعالة في نشر الديانة الجديدة وتعليم الداخلين فيها. وحيث اختصت الأديرة بإصدار الكتب وصلت فنون إنتاج الكتب ذروتها ومنها فن الكتابة والزخارف الجميلة المضيئة والرسوم الإيضاحية التفصيلية الملونة لمشاهد من الإنجيل، وصور القديسين. وبعد التحرر من الاضطهاد الروماني، أمكن للعلماء المسيحيين الالتقاء معا ومناقشة الأفكار الفلسفية واللاهوتية.
    وخلال عهود حكم ولاة المسلمين، وخاصة خلال حكم الفاطميين والأيوبيين، ظلت لأنشطة التعليم والأدب والفكر قيمتها العليا. وكان الطلاب يتعلمون بالمدارس الملحقة بالمساجد، والتي حقق البعض منها شهرة عالمية. وتنافس الأمراء والسلاطين على شرف استضافة مجالس العلم في قصورهم. وأصبح فن الخط العربي بأنماطه الجميلة فنا فائق الأهمية حيث اجتهد الخطاطون في إبداع كتابات تليق بالتعبير عن كلام الله الذي أنزله على نبيه. وإضافة إلى النسخ الجميلة من المصحف، أعدت موسوعات شاملة في مواضيع متنوعة. وقاد اهتمام المسلمين بتنوع المعرفة، إلى ترجمة النصوص الإغريقية واللاتينية إلى العربية.

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

الاعضاء الذين قرؤوا الموضوع: 1

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع